
تمرُّ هذه الأيام ذكرى وفاة أم دبي الأم الحنون والشيخة الكريمة لطيفة بنت حمدان آل نهيّان، رحمها الله تعالى، وهي امرأة من أعلام النساء في العصر الحديث، نسبها معرق أبوها وأجدادها من عظماء الحكام، وكرمها مغدق فهي لا تبقي على مالٍ.
ولا تأبه لما صرفت في أوجه الحق والخير، وزوجةٌ قامت بحقِّ زوجها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد الحاكم الاستثنائي الطموح، الباني والمؤسس لحضارةٍ عالميةٍ متقدمةٍ جداً على مثيلاتها، فقامت بحقه خير قيام، وكانت معه في أصعب الأوقات سنداً وعوناً ومستشاراً أميناً، وشخصيتها جامعة تخرجت منها خيرة الحكّام، وهي مربية فاضلة تحب الناس ويحبونها، نصير المظلومين وعائلة المحتاجين لا تعرف إلا الخير، ولا تتعامل إلا بمكارم الأخلاق، تجلُّ العلماء وتحنُّ على الضعفاء وتعطف على الصغار وبقيت هكذا حتى لاقت ربها. * ولدت الشيخة لطيفة بنت حمدان في سنة 1919م في عهد حكم والدها الشيخ حمدان بن زايد بن خليفة آل نهيان، الذي حكم إمارة أبوظبي بعد أخيه الشيخ طحنون بن زايد سنة 1912م، وكان نعم الحاكم العادل الكريم بل يُذكر من كرمه وإحسانه الكثير حتى ظن من لا يعرف حاله أن لديه أموالا طائلة، والحقيقة أنه كان ينفق كل ما يأتيه ليعين الناس على نوائب الدهر ويقضي حاجة المحتاجين. في سنة 1922م انتقل الشيخ حمدان إلى جوار ربه فعادت الشيخة شمسة ومعها ابنتها الصغيرة الشيخة لطيفة إلى بيت والدها الشيخ سلطان بن مجرن المري، الذي جمع بين العلم ومشيخة قبيلته، فكبرت الشيخة لطيفة في هذا البيت الكريم تحت رعاية أمها الصالحة الكريمة، والتي كانت ذات شخصية مؤثرة ومتميزة بين النساء وصلاح كبير. * تعلمت الشيخة لطيفة مبادئ الدين وقراءة القرآن وبدأت شخصية والدتها تؤثر عليها، وما ظنكم في بيتٍ نساؤه صالحات كريمات ورجاله علماء وطلبة علم، لابدّ أن تنتقل هذه الصفات النبيلة إلى حفيدتهم الصغيرة وبرعاية جدّها وأمها وخالاتها بلغت الغاية في حسن الصفات وجميل الأخلاق. في سنة 1939م تزوج الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ابن حاكم دبي آنذاك الشيخة لطيفة، واستمرت الأفراح ما يقارب أربعين يوما، وعمّت البهجة أرجاء إمارة دبي. وفي هذه المناسبة قال الشاعر عبدالله بن سليم الفلاسي: مبروك ما دبّرت وأعطيت الهنا والسعد واتوفّقت سعد أيامها يعلك تشاهد في ضحى يوم اللقا حال السرور بنظرةٍ بسّامها الكل من بيتٍ رفيع ومنتمي منْ عنصرٍ عالي ومنْ حكامها * كانت الشيخة لطيفة نعم المعين، والزوجة الصالحة التي ساعدت زوجها الشيخ راشد على القيام بأعماله الطموحة التي نقل بها دبي من إمارةٍ صغيرةٍ إلى إمارةٍ يتنافس الناس على تقليدها، والمرأة الصالحة المعينة مهمة جدا في حياة الرجل العادي فكيف الحال بحاكمٍ حمل المسؤولية في صغره وناء بأعباء الحكم في ظروفٍ صعبةٍ وخطيرةٍ، شهدت خلالها هذه الفترة كثيراً من الأحداث، لابد أن الأمر يختلف فإنه يحتاج إلى زوجةٍ في مستواه تقف بجانبه وتدله على الخير وتوفر له سبل الراحة في بيتها لكي يستريح عندها من أعباء المسؤوليات الملقاة على كاهله. وقد كانت الشيخة لطيفة للشيخ راشد كذلك وأكثر، رحمها الله، وقد أنجبت له كبار الشيوخ الكرام: الشيخ مكتوم، رحمه الله تعالى، والشيخ حمدان والشيخ محمد والشيخ أحمد والشيخات الكريمات، حفظهم الله تعالى. * سألت مرةً إحدى قريباتي فقلت صفي لي الشيخة لطيفة، فقالت: "وماذا أصف لك إنها شيخة ما مثلها شيخة وصفاتها عجيبة تعطي بيمينها وشمالها"، هذا ولا تكفي مقالةٌ واحدةٌ للحديث عن هذه الشخصية العظيمة، ولكنها تكفينا لنتذكر أم دبي أم الشيوخ الكرام التي لاقت ربها راضية مرضية في 5/17/ 1983م، رحمها الله تعالى.
نشر في البيان بتاريخ: 19 مايو 2012
مقالات ذات صلة

السويدي يوثق رحلة ابن عتيبة إلى مكة
الكاتب : محمد أحمد السويدي - كاتب إماراتي حدثنا العم سعيد بن أحمد خلف العتيبة، عن رحلة والده إلى الحج عام 1359 للهجرة. وإذا قلبنا أوراق التاريخ الحديث، فسنجد أنَّ في ذلك العام أعيد انتخاب الرئيس الأميركي "روزفلت" للمرّة…

ملامح من فكر زايد
الكاتب : بلال البدور - كاتب إماراتي عندما تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة هذا العام بمئوية زايد، تحت مسمى «عام زايد»، فإنَّ هذا الاحتفال يمثِّل مبادرة تعدُّ جزءاً من ردِّ الجميل لهذه القامة العملاقة، وذلك الرائد…

الملكة «زنوبيا » والسر المُحيّر
الكاتب : جمال بن حويرب من هي الملكة «زنوبيا »؟ وكيف تزوجت الملك «أذينة » الثاني ملك تدمر؟ وكيف وصلت إلى حكم مدينة «تدمر » التاريخية؟ وهل حقاً قتلت زوجها ووليّ عهده، أم إنه محض افتراء عليها؟ وهل لها صلة قرابة بالفراعنة؟…

لمحة عامة عن دخول المطابع إلى المشرق العربي .. تاريخ الطباعة في دبي
الكاتب: حسين درويش بين العام 1958 ويومنا الحاضر مسافة زمنية عمرها 60 عاماً، وهي في عمر حرق المسافات تعدُّ قصيرةً نسبيًّا مذ عرفت دبي الطباعة تلك السنة، وتحوُّلها إلى الطباعة الحديثة التي تنافس أشهر مطابع العالم في وقتنا…
