الحمض النووي ..بين الرفض والقبول في الأنساب (2)

محرر الموقع
الحمض النووي ..بين الرفض والقبول في الأنساب (2)

الكاتب: جمال بن حويرب


أذكر عندما قمت بإرسال أول فحص لي أنني لم أنم تلك الليالي إلا قليلاً؛ خوفاً من أن أحصل على فئة غير فئة العرب التي توافق عليها الباحثون بعد اقتراحهم أولاً فئة أخرى، ولكن بعد خلاف طويل حينذاك اتفقوا تقريباً على هذه الفئة كأنهم أرادوا أن يقتربوا من الفئة التي تعارف عليها اليهود؛ لأنهم أقرب البشر لنا كما هو معروف، ثم جعلوا تلك الفئة رمزاً لجنس آخر بعد أن كانت هي فئةً للعرب.

الحمض النووي

وهكذا بقيت التخبطات في ليل مظلم وأنا معهم أدافع عن الحمض النووي وقوته بعد أن أولعت به أشد الولع ووثقت به؛ لأنني كنت أظن أنه سيفتح لي كل مغلق من أنسابنا وأنساب العرب ويجيبني عن كثير من الأسئلة، ولكن مع مرور الأيام وفحصي لأناس من العرب الأقحاح، وفوجئت بأن عينتهم خرجت في فئات غير عربية، وجدت نفسي في وضع لا أحسد عليه، ومن فحصتهم يصرون أن أبعث لهم نتائجهم، حيث إن بعضهم خرجت نتيجتهم كنتيجتي، وبعضهم خرجوا من غير الفئة التي تعارف عليها الهواة الذين أدخلوا أنفسهم في هذا الفن بغير علم وصنفوا الناس كما يشاؤون؛ فأخذت قراري بأن لا أرسل لأحد هذه النتائج وأتركها إلى الأبد، وآليت أن أنصح كل من يسألني أن يترك هذا الفن للعلماء الذين تخصصوا فيه ودرسوه في دراساتهم الجامعية والعليا، فهم الوحيدون الذين يميزون الصحيح من الخطأ ولديهم من القواعد العلمية الأكاديمية ما يقيهم من الوقوع في براثن الأخطاء الكبيرة.

الوقفة الرابعة:
سألني مرة أحد بني هاشم ممن لهم مشجرات معروفة توارثوها من أجدادهم منذ مئات السنين، وكان حزيناً، عرفت ذلك من نبرة صوته قال لي: خرج فحص الحمض النووي ولم أعد هاشمياً حسب الفحص، وأنا حزين جداً! فقلت له وأنا أضحك: في أي فئة وضعوك؟ قال: في العرب ولكن في كنانة! فضحكت وقلت: وهل هاشم إلا من كنانة.. إن دخلت هذا الميدان الخاسر مرة أخرى فلن أكلمك ولا أعرفك.
ولهذا السبب ولأسباب كثيرة أنصح كل من ينتسب إلى بني هاشم من أصحاب المشجرات الصحيحة وتواتر الأمر بذلك أن يبتعدوا عن سفساف الأحماض النووية، وليعضوا على مشجراتهم بالنواجذ ولا يبعدوا النجعة كي لا يضلوا عن الصراط المستقيم، حتى نجد رفاة الجد هاشم بن عبدمناف ونفحصه ونقارن به من يتصل به نسباً ومن انتسب له كذباً وحتى يأتي ذلك اليوم أنصح جميع أحفاده بالابتعاد؛ لأن بني هاشم خرجت نتائجهم على سلالات وراثية عدة، ولا نعلم أيها الأصح منها كماً، وهذه السلالات الوراثية لبني هاشم كما يلي حسب ما اطلعت عليه بنفسي وما وجدته في المشاريع الأخرى: «J1، J2، E، G، R، Q» ولا يعقل أن تكون كل هذه السلالات من رجل واحد، ولا بد أن تكون سلالة واحدة وبسبب عدم وجود الحمض النووي للجد الأول فهذا يجعل التأكيد مستحيلاً؛ فليس هناك ما يثب أي هذه السلالة هي السلالة التي حملها جدهم هاشم، فإذا سلمنا لإحداها أنها الصواب فسيأتي آخرون ويقولون: لماذا لا تكون هذه السلالة وليست تلك؟!

 مشجرة أنساب

وعلى هذا، فمختصر القول: إنَّ الحمض النووي لا يمكن أن يكونَ بديلاً للمشجرات القديمة التي ورثناها من أجدادها، أو ما تعارف عليه الناس في الأنساب شرعاً وعلماً، وإنَّ الذين ابتلوا به وأصبحوا يفتون فيه بغير علم ولا دراسة جامعية محقّقة فيه، عليهم أن يتركوه لأهله ولا يفتنوا الناس ويبنوا أحكاماً على قواعدَ من الجهل، فإذا قام العلماء المتخصِّصون فيه، ولم يكونوا تجاراً مثل هذه الشركات، وطوروا في هذا العلم واقتربوا من الصواب، فهنالك يمكن أن يستأنس بنتائج الحمض النووي في علم الأنساب، ولكن لا يُؤْخَذُ به على سبيل القطع واليقين.

هذا وللمقال بقية غداً إن شاء الله 

مشاركة:

مقالات ذات صلة

دليل الخليج للوريمر.. بين الحقيقة والوهم (4)

دليل الخليج للوريمر.. بين الحقيقة والوهم (4)

الكاتب: جمال بن حويرب يقولون لي: نراك تنتقد كثيراً هذا المعجم الكبير للوريمر الذي تمَّ تسميته «دليل الخليج» في الترجمة القطرية، فهل له مميزات يمكن الاعتماد عليها؟ الجواب: لا شكَّ أنَّ سفراً كبيراً كهذا المعجم بقسميه…

دليل الخليج للوريمر.. بين الحقيقة والوهم (3)

دليل الخليج للوريمر.. بين الحقيقة والوهم (3)

الكاتب: جمال بن حويرب أكثر الباحثين العرب عرفوا دليل الخليج بهذا الاسم، وقليل منهم يعرف أنَّ اسم هذا المعجم الضخم الاستخباري التابع للحكومة البريطانية في مكتبتهم مختلف تماماً، فاسمه : Gazetteer of the Persian Gulf, Oman…

دليل الخليج للوريمر.. بين الحقيقة والوهم (2)

دليل الخليج للوريمر.. بين الحقيقة والوهم (2)

الكاتب: جمال بن حويرب لوريمر الأسكتلندي الذي أصبح مرجعاً للمؤرخين المتخصِّصين بتارخ الخليج العربي من حيث لا يدري، ولم يكن في ظنِّ ذلك الضابط الذي مات في زهرة شبابه بطلقة نارية مخلفاً وراءه أهمَّ كتابين في تاريخ الخليج…

دليل الخليج للوريمر.. بين الحقيقة والوهم (1)

دليل الخليج للوريمر.. بين الحقيقة والوهم (1)

الكاتب: جمال بن حويرب سافرت براً ‏في بداية التسعينيات إلى قطر والسعودية وكان يرافقني أخي الراحل الشيخ حسين المرزوقي (اللكنوك) رحمه الله من أهالي الشارقة وأسرته قدموا من "لنجة" وهم عرب بر فارس وكنت لا أنقطع عن زيارته في…

ابقَ على تواصل

نشرة المركز — جديد المكتبة والراوي مرّتين في الشهر

اشترك لتصلك أبرز المقالات، الحلقات الجديدة من الراوي، والإصدارات الحديثة من المكتبة الرقمية. بدون رسائل ترويجيّة.

سيُفتح برنامج بريدك الإلكتروني لإكمال طلب الاشتراك.

للتواصل

  • البريد الإلكتروني
    [email protected]
  • العنوان

    دبي، الإمارات العربية المتحدة