
إنه كثير الحب أيضاً أن يختبر الثقافة اللغوية لدى من يحدثه، فهو يجيد الاختيار المناسب ووقته، فيأتيك سؤاله من حيث لا تدري، وعن معنى بعيد جداً عن تفكيرك، وأنت وحظك في الإجابة التي يعرفها جيداً، وسوف يكون مقياس معرفة اللغة لديك دلياً على ثقافتك وعلوّ كعبك في العلم. كم شاهدت الموقف يتكرَّر أمامي وعليَّ، أنا كاتب هذه المقالة، فسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، بهذه الأسئلة الدقيقة للحاضرين يختبر ويعلم ويؤكد حرصه وعشقه للغتنا الخالدة، اللغة العربية.
منذ أكثر من عشر سنوات، بدأ أحد مديري الجامعات المحلية بالحضور إلى مجلس الشيخ محمد بن راشد، وكان من أمره أن يظلَّ صامتاً، ومن عادة الشيخ وسمو أخلاقه أنه بطريقة لبقة يزيل رهبة الزائر الجديد بالحديث معه أو بسؤاله، ولأنَّ هذا الزائر يدير إحدى الجامعات، سأله سؤالًا في اللغة وقال له: هل تعرف معنى اسم “ميثاء“؟ ففوجئ المدير بهذا السؤال، وما كان منه إلا أن يلتفت يمنة و يسر ة ، لعله يجد أحداً يساعده، فلم يجد بداً من البدء بمحاورة الشيخ والحديث معه، بعد أن كان يطيل الصمت، ثمَّ قال: أرجو المعذرة لم أعرف المعنى، فابتسم الشيخ له وقال: لا بأس عليك، ثم بدأ الشيخ يشرح معنى اسم «ميثاء »، بشرح تصويري، لن تجده في أيِّ معجم من معاجم اللغة، فقد أجاب بما هو موجود في الشروح، وأضاف إليه خبرته في نوعية تربة الأراضي وكيف تكون. وهذا الأمر لو فكرتم فيه أيها السَّادة، لا يتأتى إلا لمن جمع المعرفة اللغوية والخبرة، برؤية ما ذكرته المعاجم في آنٍ واحدٍ، بعكس من قرأ وسمع فقط من أمثالي.
أسئلة شاملة
لا تقتصر أسئلة الشيخ على اللغة، ولكنها متنوعة في السياسة والاقتصاد والتاريخ والطب والزراعة، وغيرها، وكل في تخصصه وما عرف به المسؤول، ولكن اللغة العربية بسبب ولعه بها تحظى بالمكانة العظمى في قلبه، ولا يرضى بالخطأ فيما يعلمه، وإن نسيت، لا أنسى تلك الليلة التي قدمت له بعضاً من الكلمات المسموعة، والتي قمت بتفريغها وجعلتها على شكل مجلد وأرسلتها إليه، فما كان منه إلا أن أعاد لي المجلد وعليه ورقة مكتوب فيها: راجع التصحيح في الحواشي، فقمت بمراجعته صفحة صفحة، وكم كانت صدمتي كبيرة عندما وجدته يعلِّق ويصحِّح الأخطاء بقلمه الأخضر وبخطِّه الذي أعرفه. فقد تأسفت كثيراً على تقديمي المجلد من غير قراءته؛ لأني اعتمدت على أحد المصححين عندي، ولم أراجع الكلمات بعد تصحيحه، واعتبرت ذلك خطأً كبيراً وقعت فيه، وعاهدت الله أن لا أكتفي بتصحيح أحد بعد هذه الحادثة. قد تتفاجأ أيها العزيز بما تقرأ الآن ولكنها الحقيقة، وإني لا أزال أحتفظ بهذا المجلد وعلى غلافه رسالته وفيها جميع تصحيحاته باللون الأخضر، الذي يحبُّه، ولو تدبرت الأمر قلياً، لعلمت أنَّ الشيخ من أشدِّ الناس حرصاً على لغتنا، ولن تجد أحرص منه عليها، وعندي كثير من القصص والأدلة التي لا تسعها هذه المقالة.

قلت: من تدبَّر في هذه المبادرات، يعلم علم اليقين أنَّ محمد بن راشد شخصية استثنائية للغتنا، ومن أوفى العرب لها، وهو يبذل الغالي والنفيس لرفعتها والحفاظ عليها؛ لأنها عشقه الخالد. وأنا كلي ثقة بأنَّ مبادراته من إلزام الوزارات والدوائر باستخدام اللغة العربية في وثائقهم ومراسلاتهم، إلى إعلان قصر البحر في 23 / 04 / 2016 م، سوف تتبعها مبادرات أخرى عظيمة، حفظه الله ورعاه، وسدد خطاه، آمين.
مقالات ذات صلة

الملكة «زنوبيا » والسر المُحيّر
الكاتب : جمال بن حويرب من هي الملكة «زنوبيا »؟ وكيف تزوجت الملك «أذينة » الثاني ملك تدمر؟ وكيف وصلت إلى حكم مدينة «تدمر » التاريخية؟ وهل حقاً قتلت زوجها ووليّ عهده، أم إنه محض افتراء عليها؟ وهل لها صلة قرابة بالفراعنة؟…

باني دُبَيّ
ماذا أقُول لكمْ وماذا أُسْهِمُ وفِعالكمْ من عزمِكمْ تتكلَّمُ حارتْ بيَ الأفكارُ حتى إنَّني أصبحت مِنْ عَجَبٍ كأنِّي أحلمُ مَنْ كانَ مِثلي لا يُـلامُ إذا تلعثمَ في الكلامِ وقالَ أنتَ مُحرِّمُ دامتْ لكَ الأمجادُ قدْ…

البلاليط
الكاتب: أ.جمال بن حويرب الكثير منَّا لا يعلم معنى كلمة “بلاليط “وما هي مرجعيتها التاريخية، ما وَصَلَنَا عنها وما درج في الثقافة الشعبية، أنها طبق مُحلَّى يقدم كوجبة للإفطار عند أهل الخليج. لكن يدفعنا الفضول كثيراً…

زايد يهتم بخزَّان ماء
الكاتب: علي عبيد الهاملي كتب وتحدَّث الكثيرون قبلي عن المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، وسيكتب ويتحدَّث عنه الكثيرون بعدي، لكنَّنا لن نفي الشيخ زايد، عليه رحمة الله، حقَّه وقدره؛ لأنه كان زعيماً…
