
الكاتب: علي عبيد الهاملي
«مدارات ونقوش»
عندما تولى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عليه رحمة الله، مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، لم تكن هناك في الإمارات محطات إذاعة ولا تلفزيون، باستثناء إذاعة «صوت الساحل من الإمارات المتصالحة» التي أنشأها مكتب التطوير المنبثق عن مجلس حكام الإمارات المتصالحة عام 1964 وتوقفت عن البث عام 1970 لتحل محلها إذاعة دبي على التردد نفسه، وكانت إذاعة «صوت الساحل» تبث من القاعدة البريطانية في الشارقة، التي كان يطلق عليها وقتها «المحطة».
ولم تكن هناك صحف ولا مجلات، باستثناء مجلة «أخبار دبي» التي صدرت عام 1965 عن بلدية دبي، وتوقفت عن الصدور عام 1980 لتصدر بترخيصها جريدة «البيان» الحالية، ولم يكن هناك من يدرك ضرورة أن تكون هناك محطات إذاعة وتلفزيون وصحف. لكن زايد، عليه رحمة الله، أدرك أهمية هذه الوسائل والأجهزة، فقد كان يولي أجهزة الإعلام التي كانت تسعى إلى لقائه وإجراء المقابلات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية معه أهمية خاصة، منذ أن تولى الحكم في إمارة أبوظبي في السادس من أغسطس عام 1966، وحتى الإعلان عن تأسيس هذا الصرح الكبير الذي ننعم بالحياة السعيدة الهانئة فيه اليوم «دولة الإمارات العربية المتحدة» في الثاني من ديسمبر عام 1971.

كان الشيخ زايد يمنح وسائل الإعلام من وقته الكثير، يتابعها ويستخدمها لإيصال رسائل مهمة في الداخل والخارج
كلمة مسجلة
بعد أقل من ثلاث سنوات من تولي الشيخ زايد، عليه رحمة الله، مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، انطلقت إذاعة أبوظبي في الخامس والعشرين من شهر فبراير عام 1969. وكانت انطلاقتها الأولى بصوت الشيخ زايد، عليه رحمة الله، نفسه وبكلمة مسجلة منه، قال فيها:
«السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
إنني أشعر بالسعادة وأنا أوجه كلمتي هذه إليكم، وذلك بمناسبة افتتاح إذاعة أبوظبي. وأنا واثق أنكم تشعرون نفس الشعور، وتحسون نفس الإحساس. ويجب أن تهتم هذه الإذاعة بالمعاني الإسلامية والعربية، والقيم الروحية والأخلاق، والتمسك بالدين الحنيف الإسلام، والعادات العربية الأصيلة، والتقاليد التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، فنحن أمة عربية إسلامية، ويجب أن نتمسك بالإسلام وتعاليمه، ونعلمه لأبنائنا وأحفادنا، لأن هذا حق علينا. والله الموفق». هذه الكلمة التي وجهها الشيخ زايد، عليه رحمة الله، مع انطلاقة إذاعة أبوظبي قبل نصف قرن تقريباً، رسمت خارطة طريق يسير عليها، ويلتزم بها كل العاملين في مجال الإعلام، وليس في إذاعة أبوظبي فقط، وشكلت منهاجاً للإعلام الصحيح والملتزم الذي يجب أن يعمل وفقه كل من ينتمي إلى وسائل الإعلام الإماراتية، قبل قيام دولة الاتحاد. وقد ظل هذا المنهج قائماً بعد قيام الدولة، وقد رأيناه واضحاً في توجيهات الشيخ زايد، عليه رحمة الله، في كل المراحل. وهو منهج قائم على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والقيم الروحية والأخلاقية، والعادات والتقاليد العربية الأصيلة. ولا زال هذا المنهج مستمراً ومتواصلاً، تلتزم به جميع وسائل الإعلام الإماراتية، على اختلافها وتنوعها. وفي السادس من أغسطس عام 1969، الذي وافق عيد الجلوس الثالث للشيخ زايد، عليه رحمة الله، تم افتتاح «تلفزيون أبوظبي»، ليكون أول تلفزيون يبدأ بثه في الإمارات قبل قيام الاتحاد، وتبعه بعد شهر واحد تقريباً، في التاسع من شهر سبتمبر 1969 «تلفزيون الكويت من دبي» الذي تم إنشاؤه من قبل دولة الكويت الشقيقة، بناء على طلب من الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي وقتها، عليه رحمة الله. وقد كان افتتاح تلفزيون أبوظبي بحضور الشيخ زايد، عليه رحمة الله، وكان في هذا إشارة إلى اهتمامه بوسائل الإعلام، وإيمانه العميق بدورها في نشر الوعي، ومواكبة التطور الذي كانت تشهده الإمارة. وقد تبع افتتاح التلفزيون صدور صحيفة «الاتحاد» في العشرين من شهر أكتوبر عام 1969 في إمارة أبوظبي. وهنا نلاحظ رمزية اسم الصحيفة التي سبق صدورها قيام الدولة، إذ يدل دلالة واضحة على مدى إيمان الشيخ زايد، عليه رحمة الله، بفكرة اتحاد الإمارات، وتصميمه على تحقيقه، وتفاؤله الذي لا حدود له. وقد صدرت الصحيفة في البداية بشكل أسبوعي، ثم تحولت إلى الإصدار اليومي اعتباراً من 22 إبريل 1972.رحم الله الشيح زايد رحمة واسعة، فقد كان المؤسس الأول لإعلام الإمارات، مثلما هو مؤسس هذه الدولة وباني نهضتها.
مقالات ذات صلة

رحلات الأوروبیین الأولى إلى مكَّة المكرَّمة
الكاتب: جمال بن حويرب رحلاتُ المسلمين إلى الدِّیار المقدَّسَةِ، عَبْرَ القرونِ الماضيةِ كثیرةٌ من كلِّ أصقاع الدنيا، ومن كلِّ فجٍّ عميق. وقد دوَّن كثیرٌ من العلماء والأدباء رحلاتِهم إلى مكَّةَ المكرَّمةِ وطیبةَ…

الرحلة الميمونة إلى بيت الله الحرام
مسارات الحج إلى الديار المقدسة أخذت في تاريخها أشكالاً عديده، فمن السفر على ظهور العيس عبر القوافل، إلى ركوب البحر وامتطاء لججه، خاض المسافرون إلى مكة مسالك شتى قبل توافر وسائل النقل الحديثة كالسيارات والقطارات، والتي…

دبي هبة الخور
الكاتب: عبد الغفار حسين - كاتب إماراتي إذا قلنا، دبي، هبة الخور، كما يقولون عن مصر، أنها هبه النيل، فإننا لا نبتعد عن الحقيقة، فلولا الخور، لكانت دبي مثلها مثل أي من المدن الساحلية البحرية على الشاطئ العربي من الخليج،…

أخبار مسقط وعمان في جريدة الشورى
الكاتب: قاسم بن خلف الرويس - كاتب سعودي كانت الصحافة وما زالت من المصادر التي لا يستغني عنها الباحث في التاريخ بصفة عامة، فهي تكتنز تاريخ الشخصيات وأعمالها كما تتضمن مجريات الأحداث وتسلسلها، ولذا فهي تعتبر سجلاً مفتوحاً…
