
الكاتب: خليل البري
لقد كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يبني آمالاً كبيرة، ويحلم ببناء مجتمع جديد تختفي منه المعاناة، مجتمع فيه المدرسة، والعيادة، والسكن النظيف والكهرباء والماء النقي، وكان يتأمل أبناء البدو والمزارعين والصيادين ويتخيل بينهم الطبيب والمهندس المدرس والضابط.
كان زايد يرسم في ذهنه صورة مجتمع تضيئه شمس الحضارة، وتغمره الرفاهية ، حتى قبل أن يتدفق النفط من جوف الأرض، وكان يحلم بجيل ينهل من العلم حتى الارتواء، وهكذا بدأت فكرة الاتحاد.
في السادس من أغسطس 1966م، تولى الشيخ زايد، رحمه الله ، مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، وقدر لموارد البلاد في عهده أن تسجل معدلات قياسية في النمو. فماذا يريد حاكم في الدنيا أكثر من ذلك؟ الحكم والثروة. ولكن الشيخ زايد لم يكن رجلاً عادياً، ولم يكن من ذلك الطراز من الحكام الذين يقنعون بواقعهم، ولكنه يضم جوانحه على نفس كريمة متطلعة إلى آفاق لا حدود لها، نفس جوادة، جبلت على البذل والعطاء، وقلب كبير تتجاوز نبضاته حدود «أبوظبي»، وتحتضن خفقاته المنطقة كلها. وكما توقعت أسرة آل نهيان، يوم سلمته الراية، وحملته الأمانة، واختارته للموعد المرتقب مع القدر، فإن يوم السادس من أغسطس، لم يكن في الحقيقة نقطة انطلاق نحو خلق مستقبل جديد لهذا البلد، فحسب، بل كان بداية تحول في تاريخ المنطقة بأسرها. فقد امتدّت يد زايد الحانية إلى إخوانه في الإمارات، وأعطى المنطقة كلها مشاعره، وعاش معها أفراحها وأحزانها، وساهم بكل أحاسيسه في قضاياها، وألزم نفسه بالمشاركة الإيجابية في تطويرها ، متحملاً هذه المسؤولية بروح وإقدام الرجل ، وعزيمة الرواد الأفذاذ ، الذين يؤثرون إنكار الذات. لم يحبس الثروة، بل قدّم الأموال في صورة مشروعات لكل الإمارات، وهو ينظر في حقيقة الأمر إلى ثلاثة اتجاهات دفعة واحدة هي: إمارة أبوظبي، إمارات ساحل الخليج وعمان، والوطن العربي كله. كان يقول «لقد بدأنا في تعمير بيتنا، وهو واجب علينا، لكن يجب ألاّ ننسى في الوقت ذاته أن ننظر حولنا ، إلى إخواننا في الساحل والخليج ، وإخواننا في بقية البلاد العربية، لأننا جزء من الوطن الكبير». وقال، رحمه الله ، «البعض يتهمني أنني وحدوي ، وهذه تهمة لا أنفيها، أنا وحدوي، ولكنني لا أفرض الوحدة على أحد».

مكتب التطوير وقد أكّد الشيخ زايد، فور تسلّمه سدّة الحكم في السادس من أغسطس عام 1966م بإمارة أبوظبي مدى أهمية الاتحاد، وقال معلّقاً: «نستطيع بالتعاون وبنوع من الاتحاد، اتباع نموذج الدول الأخرى النامية». لقد نمت أهمية الاتحاد والحاجة إلى العمل في التعاون مع الإمارات الأخرى، وترعرعت في فكر الشيخ زايد منذ البداية. ورغم إدراكه التام بأنّ الاتحاد كان مجرّد مفهوم حديث في المنطقة، إلاّ أنّ اعتقاده بإمكانيّة تنفيذه على أسس الروابط المشتركة التي تربط بين مختلف الإمارات، إضافة إلى تاريخ وتراث أبنائها الذين عاشوه معاً لعدة قرون، كان ثابتاً. لقد عمل الشيخ زايد على ترجمة مبادئه وأفكاره عن الاتحاد والتعاون والمساندة المتبادلة إلى أفعال، وذلك بتخصيص جزءٍ كبير من دخل إمارته من النفط لصندوق تطوير الإمارات المتصالحة قبل بداية دولة الإمارات العربية المتحدة كدولة اتحادية. ومكتب حكومة أبوظبي ساهم في توفير العيش الكريم لأبناء المناطق الشمالية، وعن تلك الجهود الحثيثة لزايد، ذكر، عبد الرحمن أمين الشرفا، وهو من الرعيل الأول الذي عاصر مراحل تكوين الدولة على يدي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وعايش الحلم الإماراتي وتحققه على أرض الواقع، أن ما تم الآن في الدولة من منجزات حضارية وعمرانية جاءت بفضل من الله وبجهد القائد ومؤسس الدولة الذي غرس الحب والعطاء في زمن قسوة ظروف الحياة وفتح مجالات أرحب برؤية ثاقبة. ويذكر عبد الرحمن أمين الشرفاء بأن زايد قام بإنشاء مكتب أبوظبي في إمارة الشارقة عام 1968 ليختص بشؤون المناطق الشمالية، ويقدم المساعدات والعون لمواجهة ظروف الحياة الصعبة، ويعمل في هذا المكتب شخصان من كل من الشارقة، عجمان، أم القيوين، الفجيرة، ورأس الخيمة، ومن خلال العمل في المكتب يتم التنسيق مع حكومة أبوظبي في تشغيل الشباب المواطن ضمن دواوين حكومة أبوظبي مع ظهور شركات البترول التي فتحت آفاقاً جديدة للمواطنين الذين كان أغلبهم يعمل في البحر في مهنة الصيد والتجارة والأسفار لجلب البضائع المختلفة واغترب عدد منهم للعمل في السعودية والكويت والبحرين. وكما فعل زايد في العين وفي أبوظبي، بدأ يسأل الناس عن احتياجاتهم، ويوفر لهم الآلات والمعدات اللازمة، ويشجعهم على الزراعة والري، كما كان من وقت إلى آخر يقوم بنفسه بزيارات إلى المناطق الشمالية، لتفقد شؤون حياتهم في ظل شح الموارد في ذلك الوقت، فأرسى بذلك معاني الاتحاد مبكراً ولم الشمل. مكتب المناطق الشمالية أداره عتيبة بن عبدالله العتيبة وكان نائبه محمد بن خليفة السويدي، وساهم المكتب في توفير العيش الكريم للمواطنين وتلبية متطلبات الحياة، وكان زايد يبدي اهتماماً كبيراً بكل تفاصيل حياة الناس من مزارعين وعمال وشباب ويفتح آفاقاً جديدة لهم للعمل، ويحرص على زيارة هذه الإمارات أكثر من مرتين في العام، ويستقبل الجميع في قصره في منطقة الذيد.

الانسحاب البريطاني وكانت الحكومة البريطانية قد عانت من ضغوط الظروف الاقتصادية المعاكسة، نتج عنها إنهاء كافة المعاهدات لحماية الإمارات المتصالحة عام 1968م، وانسحابها من الخليج نهاية العام 1971م. ومع أنّ هذا القرار المفاجئ كان يهدّد بخلق فراغٍ عسكري وسياسي في المنطقة، لكنّه ساعد -أيضاً - على تقليل العقبات والصعوبات التي كانت عائقاً في طريق المحاولات الأولى لاتحاد الإمارات. لقد أطلق التوقّع الكبير لإنهاء العلاقة الخاصة القائمة بين بريطانيا والإمارات المتصالحة لفترة 150 عاماً الإشارةَ إلى نوع ما من الترابط الذي يتسمّ بالطابع الرسمي الأكثر قوّةً مما كان مقدّماً من مجلس الإمارات المتصالحة؛ ونتيجةً لهذه القوى الجديدة العاملة اتّخذ، المغفور لهما بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم إمارة أبوظبي، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي، الخطوةَ الأولى نحو إنشاء الاتحاد. وكان يقصد بهذا الاتحاد أن يكون نواةً للوحدة العربية، وحماية الساحل -المتوقّع فيه ثروة النفط - من مطامع الدول المجاورة الأكثر قوة.

اتفاقية الاتحاد كانت نتيجة المبادرة المتّخذة من حاكمَي الإمارتين الرائدتين، عقد اجتماع في الثامن عشر من فبراير 1968م في السميح، على الحدود بين أبوظبي ودبي، وقد وافق الشيخ زايد والشيخ راشد في ذلك اللقاء التاريخي بحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، على دمج إمارتَيهما في اتحاد واحد، والمشاركة معاً في أداء الشؤون الخارجية والدفاع، والأمن والخدمات الاجتماعية، وتبنّي سياسة مشتركة لشؤون الهجرة. وقد تُركت باقي المسائل الإدارية إلى سلطة الحكومة المحلية لكلّ إمارة. وعُرفت تلك الاتفاقية المهمة بـ«اتفاقية الاتحاد»، ويمكن اعتبارها الخطوة الأولى نحو توحيد الساحل المتصالح كلّه. وزيادةً في تعزيز الاتحاد؛ ولاهتمام الشيخ زايد والشيخ راشد بتقويته، قاما بدعوة حكّام الإمارات الخمس المتصالحة الأخرى، إضافة إلى البحرين، وقطر، للمشاركة في مفاوضات تكوين الاتحاد. وفي الفترة من 25 إلى 27 فبراير 1968م، عقد حكّام تلك الإمارات التسع مؤتمراً دستوريًّا في دبي. وبقيت تلك الاتفاقية المكوّنة من أحد عشر بنداً، والتي بدأت في دبي، مدة ثلاث سنوا ت قاعدةً للجهود المكثّفة لتشكيل الهيكل الدستوري والشرعي لـ«اتحاد الإمارات العربية» هذا، والذي يتكوّن من تلك الإمارات التسع الأعضاء فيه، وعُقدت في تلك الفترة اجتماعات عدّة على مستويات مختلفة من السلطة، والاتفاق على القضايا الرئيسة في اجتماعات المجلس الأعلى للحكّام، الذي يتكوّن من رؤساء الإمارات التسع. كذلك أجرى نوّاب الحكّام إضافة إلى لجان أخرى مختلفة، مناقشاتٍ رسميةً تتعلّق بتعيين الإداريين من تلك الإمارات ومستشارين من الخارج. وفي صيف عام 1971م أصبح من الواضح أنّه لم يعد لإيران أية مطالب في البحرين، فأعلن الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة استقلالَ الجزيرة في 15 أغسطس 1971م، تبعتها قطر في 3 سبتمبر 1971م. وعملت السلطات في الإمارات السبع المتصالحة على وضع بديلٍ لاتحاد الإمارات العربية. وفي اجتماعٍ عُقد في دبي في 18 يوليو 1971م، قرّر حكّام ست إمارات من الإمارات المتصالحة، هي: أبوظبي، دبي، الشارقة، عجمان، أم القيوين، والفجيرة، تكوين اتحاد الإمارات العربية المتحدة، وكانت رأس الخيمة، وهي الإمارة السابعة، في حالة من التردّد. وفي 2 ديسمبر 1971م أُعلن رسميًّا تأسيس دولة مستقلة ذات سيادة، وبعد ذلك، أي في 10 فبراير 1972م، انضمّت رأس الخيمة إلى الاتحاد، فأصبح الاتحاد متكاملاً باشتماله على الإمارات السبع.

شكل الاتحاد، كما آمن المغفور له الشيخ زايد، فرصة هيأها الله سبحانه وتعالى لجميع حكام الإمارات، من خلال وجودهم في مكان واحد، وقلوبهم جميعاً عامرة بالإيمان بمبدأ الوحدة فجعلوا من اجتماعهم محطة تاريخية لتحقيق الأمل المنشود، فتحقيق الرخاء والازدهار والعيش الحر لشعب الإمارات ووجود صرح الاتحاد، كل ذلك نتيجة فكر الشيخ زايد وجهده وتفانيه وتخطيطه ونظرته وحبه وطموحه وتنفيذه، وتلك أوصاف وأمور حقيقية فيه لا مراء ولا شك ولا مبالغة فيها ويعرفها القريب والبعيد على حد سواء.
وكان فكر زايد منذ البداية وحدوياً، وقال وقتها: «إن الاتحاد هو طريق القوة وطريق العزة والخير المشترك، وإن الفرقة، لا ينتج عنها إلا الضعف، وإن الكيانات الهزيلة، لا مكان لها في العالم اليوم، فتلك هي عبر التاريخ على امتداد عصوره»، ومنذ اللحظات الأولى لتأسيس الاتحاد؛ انطلقت عجلة العمل بواحدة من أضخم عمليات التنمية التي شهدتها المنطقة، ونذر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، نفسه، وكرس وقته لخدمة الوطن والمواطن، وأعلن منذ الأيام الأولى لتوليه مقاليد الحكم تسخير الثروات من أجل تقدم الوطن، ورفعة مستوى المواطنين، فتحولت الإمارات خلال سنوات قلائل من قيام اتحادها الشامخ، إلى دولة عصرية مزدهرة بفضل القيادة الحكيمة، والعطاء السخي لزايد، حيث ارتبط الاتحاد منذ بداية مسيرته بتنفيذ برامج طموحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة على مستوى الوطن. ومع زايد أصبح هدير الآلات في كل مكان وانتقل آلاف الأهالي من منازل العريش والطين إلى البيوت الصحية النظيفة وامتدت الطرق الحديثة فوق الرمال ودخلت المياه العذبة والكهرباء إلى كل بيت وانتقل التعليم من نظام الكتاتيب إلى المدارس العصرية. وظلت سياسة المجلس المفتوح التي اتبعها رغم مشاغله ومسؤولياته المتزايدة ثابتة لم تتغير مطلقاً على مر السنين، ورغم تزايد الأعباء كانت لقاءات زايد بالشعب مبدأً أساسياً من مبادئه في الحكم. هدوء الشيخ زايد ودماثة خلقه وإحساسه بالمسؤولية ورجاحة العقل والفكر وبعد النظر، سمات ميزته في قيادة التحدي وتحقيق المستحيل، فقد أيقن زايد، ومع السنوات الأولى لنشأة الاتحاد دور العناصر البشرية في المشاركة بمسيرة تنمية الدولة، فكان الإنسان محور اهتمامه، ولو تمعنت النظر في التسجيلات الصوتية والمصورة له خلال زياراته العديدة في أرجاء الوطن لأدركت ذلك، عدم تقيده بالبروتوكول الرسمي للاستماع إلى الناس والتشاور معهم، النصائح التي يوجهها لهم بمحبة وهو يجلس معهم بأريحية وبساطة، تسجيلات عدة موثقة يمكن للمرء أن يعيد رؤيتها وسماعها مرات عدة، دون أن يمل مع معين الحكمة الذي قدمته مدرسة زايد. ارتدى زايد ثوب الطموح، وتسلح بالإصرار، وحرث الصحراء علماً وعملاً، وزرع في ثنايا الوطن أملاً وطموحاً، فأنبت إمارات الخير موطن التعايش وبلد العطاء.. زايد الذي رحل صامتاً رغم ضخامة إنجازاته رحمه الله، كان أيقن الاتحاد بروحه وعمل لأبناء وطنه بفطرته، قبل الاتحاد أعلن في نهجه الوحدة.. قبل الاتحاد أقام للوطن كياناً من الأخوّة، يشدُّ بعضه بعضاً ويتحد في النظر إلى المستقبل الذي نعيش اليوم.. مستقبل الأمن والأمان والحب والوئام.. مستقبل التسامح والسعادة.. مستقبل الابتكار والإبهار في قادم الأيام.. زايد ولد بروح الاتحاد ونشأ على حب الاتحاد.. عاش ومات ليبقى الاتحاد؛ من أجل الإنسان. ستظل روحه حية وخالدة في ذاكرة ووجدان الوطن والمواطنين وقلوب ونفوس الأمة العربية والإسلامية بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء، نذر خلالها نفسه وكرس كل جهده وعمل بتفان وإخلاص لخدمة وطنه وشعبه وأمته العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء. رحمك الله يا زايد.
مقالات ذات صلة

كوكرين دايت: زايد حقق السعادة والريادة
أكد المستشار والخبير والباحث البريطاني نيك كوكرين دايت، الملقب بـ«منكب»، أنّ المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حقق لشعب دولة الإمارات الريادة والسعادة، بكل ما تعنيه الكلمة، وأن ما نلمسه اليوم من…

أهو توارد خواطر؟
الكاتب: د. شهاب غانم عندما توفي الزعيم المصري سعد زغلول باشا (1858م - 1927م) وكان قائد ثورة 1919م، كما شغل منصب رئيس وزراء مصر في عام 1924م، وكان في منصب رئيس مجلس الأمة عند وفاته، رثاه كبار الشعراء أمثال حافظ وشوقي من…

حكاية سفينة الرأس الأخضر
الكاتب: محمد أحمد السويدي - كاتب إماراتي دعا الأخ حمد بروك في ثمانينيات القرن الماضي، اثنين من رجال الأعمال الأمريكيين إلى وجبة غداء، فذهب بهم إلى مطعم في سفينة قبالة البحر «منطقة الرأس الأخضر»، وكانت مملوكة للدائرة…

قصة اليونان وروما
عنوان الكتاب: قصة اليونان وروما المؤلف: توني سباوفورث تاريخ النشر: 6 نوفمبر 2018 دار النشر: دار نشر جامعة ييل يسرد هذا الكتاب القصة الاستثنائية للتمازج ما بين حضارتي اليونان وروما قديماً، والذي امتد على مدى أكثر من 6…
