
الكاتب: محمد التداوي - باحث في التاريخ
قلعة البثنة قلعة كبيرة يجذبك شكلها ببرجيها الكبيرين، وبنائها القوي المتماسك، ولربما بنيت حول صخرة كبيرة، لأنَّ الجزء الأوسط منها مرتفع عن باقي البناء وبالتالي يصل الداخل مباشرة إلى أعلى، حيث صحن القلعة، تقع البثنة غرب الفجيرة بنحو 13 كلم تقريباً، وهي واحدة من القرى المطلة على وادي حام الممتد من الفجيرة وحتى وادي السيجي عبر سلسلة جبال الحجر. يعود تاريخ القلعة للعام 1735م، تقريباً، وكغيرها من القلاع والحصون الأخرى، اكتشفت في محيطها مواقع وشواهد أثرية تعود للألفين الثانية والأولى قبل الميلاد، كذلك اكتشفت مواقع أخرى تدل على العصور الإسلامية، أهمها موقع القلعة نفسه، ذهبت إلى القلعة ولفتت نظري الحجرة الخارجية التي كانت تستعمل مدبسةً، على يمينها مباشرة بعد درجات ثلاث مدخل القلعة الوحيد، والذي يؤدي إلى غرفة استقبال خلفها مباشرة درج للصعود إلى صحن القلعة المرتفع والمرجح بناؤه فوق صخرة كما أسلفت. والسطح موزع بين البرجين ومصاطب للمراقبة والدفاع، وحجرتان كبيرتان، وأسوار تتخللها عشرات الفتحات كانت تستخدم في المراقبة وتمرير فوهات البنادق لتصويبها باتجاه الأعداء المهاجمين، ومن نفس الفتحات تشاهد منظر الوادي ونخيله وأشجاره الوارفة التي تتمتع بها حدائق البثنة منذ أقدم العصور، وهو ما كشفته البعثات الأجنبية الفرنسية فالسويسرية، والتي اكتشفت مواقع أثرية تعود بالبثنة للألف الثالثة قبل الميلاد.
قلعة مسافي قلعة الأفلاج المائية، هكذا ارتبطت في مخيلتي، وهي القلعة الوحيدة من بين القلاع التي ضمَّ سورها الخارجي فلجاً طبيعياً قديماً، وليس بئراً. والأفلاج لمن لا يعرفها من غير سكان الخليج، هي نظام ري قديم، خاصة في الخليج العربي خاصة المناطق الشرقية منه، وهو عبارة عن شبكة من القنوات تحت الأرضية تفادياً للتعرض لشمس الصحراء القوية، ومن ثمَّ تفادي التبخر السريع. وتتميز أيضاً بوجود مسجد ملاصق للسور، مبني بنفس المواد البيئية، وله مدخل منفصل عن القلعة من الداخل. ومسافي تقع على مسافة 30 كلم، غرب أحد الطرق المؤدية لدبي، وترجح الدراسات الأثرية عمر القلعة بنحو 500 عام، لكن وجود الأفلاج يعطي احتمالية أكثر قدماً، ولربما بنيت فوق أطلال قلعة أقدم وهذا ما سيثبته أو ينفيه المنقبون الأثريون فقط من خلال اكتشاف أسفل القلعة أو في الجوار المهم والمثمر، حيث المنطقة الاستراتيجية على وادي حام الغني بغطاء نباتي وإنتاج زراعي أدى إلى توطن وسكن، وتكوين مجتمع مسالم سعى على مر الزمن للتحصن دفاعاً عن ثرواته. وتتكون القلعة من برج واحد دائري الشكل، وحجرتين داخليتين على امتداد نفس السور، وارتفاعات السورين الخارجي والداخلي، لا تعلو عن باقي البناء بكثير، وأعتقد من ملاحظتي لطبيعة البناء أنها كانت قلعة ثانوية، أو حصناً ومسكناً للجنود بغرض الدفاع عن مصادر المياه المتمثلة في الأفلاج. قلعة أوحلة قلعة صغيرة، ببرج واحد أيضاً، يعدُّ أعلى وأأمن مكان في القلعة ككل، لها سور خارجي مميز عن باقي القلاع، باتساعه، ووجود فتحات للبنادق والمراقبة في الجانب المقابل للمدخل الرئيس، وهي من القلاع التي يشاهد بها أساسات قلعة من العصر الحديدي في ساحتها، وهذا دليل أكثر من كافٍ على أنَّ أوحلة كانت موجودة منذ آلاف السنين، ومكان القلعة لم يختره أهله مصادفة، إنما استمرارية لاختيار الأجداد بعد تجاربهم المديدة لاختيار الموقع الأمثل للقلعة حتى يستطيعون التحكم في الوادي الواقع خلفها. اسم أوحلة يعود إلى صفة المكان الرطبة والسبخية، حيث يزداد سقوط الأمطار في المناطق المتاخمة لعمان من الإمارات العربية ككل، وتتحول معظم المناطق إلى مسرح لمياه الأمطار التي تجعل محاولة السير صعبة بسبب التوحل الحاصل باختلاط الماء بالتربة السبخية.. وهي تبعد عن الفجيرة بنحو 25 كلم، تقريباً، باتجاه الجنوب، وهناك طريقان للوصول إليها، أولهما طريق الفجيرة الحيل، والثاني هو طريق كلباء. والأثر الأهم في هذه القلعة هو بقايا الأساسات القديمة لقلعة كانت في نفس المكان في العصر الحجري، ثم المجلس الخارجي وهو مبنى كامل مرمم حديثاً، يختلف عن باقي حجرات وأقسام القلعة بميزة القدم، وأنه الوحيد الخارج عن سور القلعة، ومدخله من خارج بوابة صحن القلعة الجانبية، والمجلس الخارجي كان يتم فيه استقبال الضيوف، ويرجح أنه نفسه يعود إلى فترة إسلامية قريبة ويتميَّز ببعض الملاط والرسوم الهندسية التي تزين جدرانه الداخلية. وبنيت القلعة بنفس المواد البيئية التي بنيت بها القلاع الأخرى، الحصى، الرمل المخلوط بماء وما أكثره في هذه المنطقة، النخيل بمشتقاته، جذوع الأشجار الأخرى، وفوقهم تجربة السنين لتحسين وضع كل قلعة، وكل حصن بما هو مستطاع وما هو مناسب، فالتهديدات التي تواجهها بلدة مثل أوحلة لن تكون مثل التهديدات التي تواجهها الفجيرة المدينة الأكبر مثلاً، لذلك لا ندخل في مقارنات الحجم وخلافه، لأن ساكن أوحلة على مر السنين، بنى كغيره من أشقائه وجيرانه بما هو مستطاع، لما تتطلبه الظروف والأوضاع.حصن ومربعة الحيل يبعد حصن ومربعة الحيل، نحو 15 كيلومتراً جنوب غرب الفجيرة، حيث تقع الحيل وواديها الشهير والمسمي بنفس الاسم، وكانت بالنسبة لي واحدة من التجارب التي أنصح بها من يودون زيارة مكان تتشابك فيه الطبيعة بالتاريخ، المكان تعزله الجبال كصدفة تعزل لؤلؤتها، والمكان في الحقيقة له من العزلة ما يجعله عالماً من الأحلام، ذهبت في الفجر وشاهدت الشروق الساحر، كما ذهبت عصراً مرات أخرى لأتابع الغروب الرائع، والواقع أنَّ الحالين بهما من السحر ما قد يجعلك من محبي الحيل وحصنها الذي يرتفع 15 متراً فوق أعلى بروز جبلي، مبنية كمثيلاتها على مستويات ثلاث تمر من أسفلهما لأعلاهما حتى تصل للسطح، حيث لا شيء يحجب الرؤية سوى حالة الجو إن كانت ضبابية. والوادي في الأسفل تحيطه الحدائق والمزارع وبعض البيوت المتفرقة، على مسافة ليست بعيدة وعلى نفس طريق الوصول سد لتخزين مياه الأمطار ترعى في محيط خزانه الفارغ بعض الحمر البرية. ترى أيضاً بعض المواقع الأثرية والتي مازالت تنتظر تنقيباً وبحثاً لتدلي بقصتها وقصة ساكنها. أما أهم مبنى في الجوار فهو بيت ومربعة الحاكم، والذي يرجع للعام 1830 ميلادية، وهو مكون من ساحة يحيط بها سور وبها حصن أو لنقل برج مستطيل الشكل على شاكلة الحصن في أعلى التلة، وبه مجموعة من الغرف التي كانت تستخدم لسكن الأسرة وبعض أعمال الحكم.
أبراج ومسجد البدية الأبراج من المباني التاريخية التي تركها الأجداد، إضافة إلى القلاع والحصون، وهي تختلف أولاً في بنائها خارج النطاق السكني، ودورها الأهم تحذيري، وليست بنفس كبر القلاع والحصون بل ربما مثل برج من أبراج قلعة أو حصن، وتختلف في مهامها الدفاعية عموماً، وتتكون عادة من غرفة واحدة على مستويات، بحسب الارتفاع، يربط بينه حجراتها سلم، والسطح هو الجزء الأهم، حيث يتمُّ من خلاله رصد أيِّ تحركات على مرمى البصر وبالتالي أخذ الاحتياطات بحسب تفسير التحركات المشاهدة عن بعد. في وقت الخطر تُطلق الأصوات التحذيرية، ثمَّ جاء اختراع البارود فبُدلت الأصوات بطلقات من بنادق أو مدافع صغيرة، تعطي رسالة بحسب عددها، كما كانت النار في الزمن القديم تعطي نفس الرسائل بحسب تفسير شكل النار ودخانها المنبعث من أحد الأبراج. وعلى مسافة 7 كيلومترات شمال خورفكان تقع قرية لها من التاريخ ما أفصحت عنه من خلال مواقعها الأثرية التي تغطي فترات كبيرة من التاريخ، موقعها الأهم أو لنقل الأشهر هو مسجد البدية، والذي كان يحمل حتى هذا العام لافتة أقدم مساجد الدولة قاطبة، لكن اكتشافاً آخر على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، تحديداً مدينة العين، حيث اكتشفت فيها أساسات مسجد أقدم بكثير من مسجد البدية، يعود كما رجح العلماء لفترة الحكم العباسي، أكثر من ألف عام كتاريخ مبدئي، فيما يعود مسجد البدية لخمسة قرون على أقصى تقدير. والمسجد إضافة إلى برجين تبقيا من عدد من الأبراج التي كانت تحرس وتراقب الشاطئ الشرقي من ناحية وأودية الجبال من ناحية أخرى. هناك فوق التلة الحجرية، والتي كانت مستخدمة حتى في العصور الحجرية وتُرى بوضوح بقايا مستوطنات هذه العصور على بعد أمتار قليلة خلف البرجين، اللذين بنيا كباقي المباني الدفاعية في كل المنطقة الشرقية بما هو متاح من موارد الطبيعة، والتي يعطيها الحجر ميزة الصلابة على خلاف مواد أكثر هشاشة، لذلك صمد وقام بدوره المطلوب، وبقيت بعض هذه المباني لتحكي لنا بعضاً من قصص النضال دفاعاً عن الأرض، وتحمل للأجيال القادمة أمانة الوطن؛ الإمارات.. وما أغلاها أمانة.مقالات ذات صلة

السويدي يوثق رحلة ابن عتيبة إلى مكة
الكاتب : محمد أحمد السويدي - كاتب إماراتي حدثنا العم سعيد بن أحمد خلف العتيبة، عن رحلة والده إلى الحج عام 1359 للهجرة. وإذا قلبنا أوراق التاريخ الحديث، فسنجد أنَّ في ذلك العام أعيد انتخاب الرئيس الأميركي "روزفلت" للمرّة…

ملامح من فكر زايد
الكاتب : بلال البدور - كاتب إماراتي عندما تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة هذا العام بمئوية زايد، تحت مسمى «عام زايد»، فإنَّ هذا الاحتفال يمثِّل مبادرة تعدُّ جزءاً من ردِّ الجميل لهذه القامة العملاقة، وذلك الرائد…

المسكوكات النقدية التذكارية
إصدارات مجلس النقد التذكارية أصدر مجلس النقد مسكوكتين بمناسبة العيد الخامس لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة. الفئة الأولى: صدرت في عام 1976م، وهي مسكوكة تذكارية قام بإصدارها مجلس النقد، حيث تمَّ إصدار كمية منها تصل…

لمحة عامة عن دخول المطابع إلى المشرق العربي .. تاريخ الطباعة في دبي
الكاتب: حسين درويش بين العام 1958 ويومنا الحاضر مسافة زمنية عمرها 60 عاماً، وهي في عمر حرق المسافات تعدُّ قصيرةً نسبيًّا مذ عرفت دبي الطباعة تلك السنة، وتحوُّلها إلى الطباعة الحديثة التي تنافس أشهر مطابع العالم في وقتنا…
