مساجد مدينة فاس عبق من تاريخ الحضارة المغربية الأندلسية (1)


شكل (1): جامع القرويين، مسقط أفقي عهد التأسيس، عن:
Golvin: Essai Sur L´Architecture. T.4 , P. 200 , Fig 66.

شكل (2): جامع القرويين، مسقط أفقي عهد التوسعة الزناتية.
Golvin: Essai Sur L´Architecture. T.4 , Fig 67.
لا يكاد يخلو زقاق من أزقة مدينة فاس، أو حومة من حوماتها من مسجد للفروض، فضلاً عن مساجدها الجامعة، وإلى هذا أشار ابن أبي زرع الفاسي ضمن حديثه عن دخول الأمير يوسف بن تاشفين اللمتوني تلك المدينة واستسلامها له بقوله: "فلما دخل يوسف بن تاشفين مدينة فاس حصّنها وثقّفها وأمر بهدم الأسوار التي كانت بها فاصلة بين المدينتين، عُدوة([2]) القرويين([3])، وعُدوة الأندلسيين([4])، وردّهما مصراً واحداً، وأمر ببنيان المساجد في أحوازها وأزقتها وشوارعها، وأي زقاق لم يجد فيه مسجداً عاقب أهله وأجبرهم على بناء مسجد فيه"([5]). وفي العصر الموحدي يفيد أيضاً ابن أبي زرع في موضع آخر بقوله: "وانتهى عدد مساجدها في أيام المنصور الموحدي وولده محمد الناصر إلى سبعمئة واثنين وثمانين مسجداً"([6]). مع العصر المريني تبدأ مدينة فاس مرحلة جديدة من مراحل تطورها العمراني، إذ أمر الأمير أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني عام (674هـ / 1275م)، ببناء مدينة مَلَكية جديدة إلى جوار المدينة الأم من جهتها الغربية، وهي المعروفة إلى اليوم بـ "فاس الجديد"([7]) التي شهدت هي الأخرى بناء عدد لا بأس به من المساجد الجامعة ومساجد الفروض خلال ذلك العصر([8])، وهو ما يبرز في النهاية مدى ما تمتعت به تلك المدينة الحاضرة من مكانة عمرانية مهمة مع تعاقب الدول الحاكمة، كان للمسجد فيها النصيب الأوفر، إذ هو الرمز الدال على "المدينة الإسلامية".
شكل (3): جامع القرويين، مسقط أفقي عهد التوسعة المرابطية.
Marçais: L´Architecture Musulmane dʼOccident. P. 100 , Fig 128
*نعرض في هذه الأجزاء بصورة موجزة بعض أهم مساجد تلك المدينة الجامعة وغير الجامعة، من حيث تاريخ إنشائها، وأهم خصائصها المعمارية والفنية، فضلاً عما تميزت به جميعاً عن مساجد بلاد المشرق ومصر، وذلك على النحو التالي: 1- جامع القرويين: يقع بعُدوة القرويين من فاس البالي، ورغم هذا، فهو القلب النابض ومنه تتفرع شرايين المدينة كلها، بما له من مكانة دينية وعلمية كبرى، وكفاه فخراً وشرفاً أنه أقدم جامعة في العالم الإسلامي، ولذلك، فلا تُذكر مدينة فاس إلا وهو الرمز الدال عليها في كل مكان وزمان. تفيد المصادر التاريخية أن تأسيس هذا المسجد الجامع يرجع إلى عصر دولة الأدارسة، وإلى عهد يحيى بن محمد بن إدريس بن إدريس على وجه التحديد([9])، كما تشير أن التي أمرت ببنائه أم البنين فاطمة بنت محمد الفهري القيرواني عام (245هـ / 859م)، من مال ورثته عن أبيها أو زوجها([10])، وكان تخطيطه أربع بلاطات وصحناً صغيراً، ومحرابه في موضع الثريّا الكبيرة الآن، وطوله من الحائط الغربي إلى الحائط الشرقي مئة وخمسين شبراً، وله صومعة (مئذنة) غير مرتفعة بموضع القبلة التي على رأس العنَزة الآن([11])، شكل (1). ترميم وإصلاحات لم يزل جامع القرويين على تلك الحالة المعمارية، إلى أن تغلب أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر الأموي على بلاد المغرب الأقصى، فبايعته مدينة فاس فيمن بايعه، فولى عليها عاملاً له من زناتة يُدعى أحمد بن أبي بكر الزناتي، فكتب إلى عبد الرحمن الناصر يستأذنه في إصلاح الجامع والزيادة فيه، فأذن له بذلك، وبعث له بمال كثير من أخماس غنائم الروم، وأمره أن يصرفه في بنائه، فزاد فيه من ناحية الشرق، ناحية الغرب، وناحية الجوف، شكل (2)، وهدم صومعته القديمة التي كانت فوق العنَزة وبنى الصومعة التي به الآن([12]). الجدير بالذكر أن هذه الصومعة، صورة (1)، هي أقدم نموذج باقٍ ببلاد المغرب الأقصى يعكس النمط التقليدي لصوامع بلاد المغرب والأندلس، حيث يرجع تاريخ بنائها إلى تلك التوسعة التي قام بها أحمد بن أبي بكر الزناتي عام (345هـ / 956م)([13])، ونظراً لما تتسم به من بعض الخصائص المعمارية على غرار مآذن بلاد الأندلس في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (206 – 238هـ / 822 – 852م)([14])، فإن هذا مما يحمل على الاعتقاد بأن انتشار هذا النمط التقليدي ببلاد المغرب الأقصى فيما تعاقب من العصور الإسلامية، إنما كان تحت التأثير الأندلسي القرطبي، ابتداءً من صومعة جامع القرويين بمدينة فاس.















مقالات ذات صلة

سلالات الخيل.. سفراء العرب إلى العالم
مدارات ونقوش (خاص) كانت الخيل ولم تزل ذلك المخلوق المكرم الذي تجاوز الوصف حتى غدا معشوق الفرسان والأشراف. والجواد من الخيل بمنزلة طبقة النبلاء في عالم الحيوان، إذ قلما اجتمعت صفات في حيوان ما كما اجتمعت في الخيل من حيث…

بدوي دوَّن الألمان مذكّراته
قاسم بن خلف الرويس - صحفي وكاتب سعودي جوهن جاكوب هيس ( Johann jakob hess ) 1866-1949م مستشرق عني بلهجات البدو داخل الجزيرة العربية، درس في جامعة شتراسبورج على يدي نيلدكه، وأقام في البلاد العربية عدة سنين، واهتمَّ خصوصاً…

منهج ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء
مريم جمعة عبدالله - كاتبة وباحثة إماراتية لا أتذكر بالضبط متى اشتريت كتاب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء). ما أذكره أنني اشتريته في المرحلة الإعدادية لبحث في مسابقة نظمتها المدرسة، من مكتبة دار الآداب الواقعة في شارع…

أبوظبي في كتابات الرحالة الغربيين
د. علي عفيفي علي غازي - صحفي وأكاديمي مصري تتمتَّع إمارة ومدينة أبو ظبي بموقع جيواستراتيجي يقوم على أُسس ومقومات كامنة في الأرض والسكان. وقد عَبَّر الكاتب الفرنسي جان جاك بيريبي عن هذه المقومات بقوله: «لقد كان من شأن…
