مركز جمال بن حويرب للدراسات
قال الفنان والخطاط الإماراتي خالد علي الجلاف ، إن ازدهار الفنون بصورة عامة ، وفن الخط بخاصة ، يؤكد قوة الدولة وعظمتها ، وإن لدولة الإمارات فضل كبير على ازدهار فن الخط العربي ، وتطوره . ودعا الجلاف إلى عودة هذا الفن إلى مناهج التعليم، ليُدرّس كفن بذاته ، وليس ملحقاً بمادة اللغة العربية، مطالباً بالاهتمام الإعلامي به كفن قومي، وتخصيصه ضمن مناهج التعليم في كليات الفنون بالجامعات والمعاهد ، وإنشاء مراكز لتعليمه في جميع أنحاء الدولة ، وتأسيس متحف وطني للخط، وتنظيم مسابقات للخطاطين واقتناء الأعمال الفائزة تشجيعاً لهم ، وتخصيص منح للراغبين في تعلمه وإتقانه.
جاء ذلك في جلسة استضافها مركز جمال بن حويرب للدراسات في مقره الجديد بالجميرا ، في إطار برنامجه الثقافي والأدبي ، الذي يهدف إلى تسليط الضوء على أهم القضايا الفكرية والأدبية والثقافية التي تهم المجتمع .
بحضور أحمد الجميري وكيل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ، ثم مدير عام هيئة الصحة في دبي ، الأسبق، الشاعر والباحث الدكتور شهاب غانم والدكتور خالد الوزني المستشار في مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة ، وعدد من الصحافيين والإعلاميين والباحثين ، منهم محمد أبو عبيد من قناة العربية .

رحب المستشار جمال بن حويرب ، رئيس المركز ، والمدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة ، بالمحاضر والحضور ، قائلاً : اختار المركز هذا الموضوع ، نظراً لأهميته في بناء حياتنا الثقافية والمعرفية ، ولأن كثيراً من الناس يجهلون دور الدولة وجهودها في الارتقاء بمستوى فن الخط العربي ، وازدهاره ، ولأن البعض يقول : أنتم في دولة الإمارات العربية المتحدة تهتمون بالبنيان والعمران ، حتى بلغتم عنان السحب ، لكنكم لاتهتمون ببعض الجوانب الثقافية والتراثية ، مثل فن الخط العربي ، على سبيل المثال .
وأضاف ...لكن الحقيقة سيذكرها شاهد ورائد من أهل هذا الفن ، أخي الأستاذ خالد علي الجلاف ، رئيس جمعية الإمارات لفن الخط العربي، ونائب رئيس تحرير مجلة «حروف عربية»، المتخصصة في مجال الخط العربي. الذي عاش مشغوفاً بالرسم وفن الخط العربي ، ونظم لذلك أربعة معارض شخصية ، وخامسها قريباً في جامعة الشارقة . سوف يحدثنا عن هذه الحقيقة .
دولة قوية ..خط مزدهر
قال الجلاف : عندما أتحدث عن فن الخط العربي ، أجد نفسي أتحدث عن ذاتي ، وعن تاريخ كل منا . فقد كان اهتمامي بالرسم وفن الخط العربي منذ الصغر ، وكلما كبرت ، كلما كبر اهتمامي بهذا الشغف الذي بات جزءاً من حياتي ، بل حياتي كلها . وأصبحت شاهد عيان على ازدهار هذا الفن ، ورقيه في الدولة ، نتيجة اهتمام كثير من الناس ، وكبار المسؤولين ، وفي مقدمتهم صاحبا السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ، والشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ، حيث حرصا على تقديم كل مامن شأنه الارتقاء بهذا الفن إلى مصافٍ عالمية .
وأكد الجلاف أنه كلما كانت الدولة قوية وعظيمة ، كلما كان الفن بصورة عامة ، وفن الخط ، بخاصة ، في موقع من الازدهار والرقي . ودولة الإمارات منذ نشأتها ، دعمت بسخاء الفن والفنانين ، وأخص التشكيليين والخطاطين منهم .
وتحدث الجلاف عن تجربته في الخطوة الأولى ، وتعلم قواعد الرسم من الأستاذ عبدالقادر الريس الذي نصحه بالابتعاد عن الرسم ، والالتزام بفن الخط العربي ، حيث لم تكن هناك تقنيات حديثة ، ووسائل التواصل الاجتماعي ، ولا كتب ، أو معلمين.
البدايات الأولى
وذهب الجلاف إلى البدايات الأولى لنشوء الخط ، حيث تقول قصص عدة وروايات ، أنها تبدأ مع الكتابة ، التي بدأت مع تشكل الدولة ، حيث برزت حاجتها إلى التوثيق .
ومرت بأطوار عدة :
- الصوري : عندما كان الإنسان يعبر عن حاجته بالرسم .
- الرمزي: ترمز الشمس إلى النهار ، والقمر إلى الليل ، والأسد إلى الغابة والقوة.
- المقطعي: حيث تمثل أجزاء من منطوق الكلمة ، إلى مايريده صاحبها.
- الصوتي: إذ يعبر الحرف الأول من الكلمة عن كامل الكلمة " حرف الغين يعني غزال " و"حرف الكاف يعني كلب " و...هكذا.
- الحروف الهجائية : حيث وضع لكل حرف رمز . والسومريون هم أول من كتب بالأحرف المسمارية ، في بابل وآشور ، وما حولهما . لكن هذه الأحرف انقرضت لصعوبتها .
ثم جاءت الأحرف الحثية في بلاد الشام ، وما لبثت إلاٌ قليلاً واندثرت ، لصعوبتها كذلك . تلتها الأحرف الفينيقية فالصينية والمصرية " الهيروغليفية" . علماً أن الفينيقيين كانوا تجاراً ، وعندما زاروا مصر وجدوا أن المصريين اكتشفوا الكتابة " الهيروغليفية" ، فأخذوا منها 15 حرفاً وضموها إلى خطوطهم . ثم ما لبث الكنعانيون أن أخذوا من الفينيقيين . وفي اليمن راح الناس يكتبون بالأحرف النبطية ، وقد اكتشف ذلك على قبر فهر بن سليمي .
وأضاف الجلاٌف ..تبين أن الأحرف النبطية في اليمن شبيهة بكتابات أهل الحجاز ، ولعل هذا أمر بدهي نتيجة " رحلة الشتاء والصيف" التي كان أهل قريش يقومون بها إلى اليمن . ويعتبر الخط القؤيشي ، ثم المكي فالمدني ثم الحجازي تعتبر أقدم الخطوط العربية . وطور أهل الكوفة الخط الحجازي ، في فترة ما قبل البعثة المحمدية . وفي فترة الرسول محمد صلٌى الله عليه وسلُم ، كان الصحابة يكتبون المصحف والأحاديث النبوية الشريفة بالخط الحجازي ، والفضل يعود إلى علي بن أبي طالب ، كرُم الله وجهه.
أما الحجاج بن يوسف الثقفي فهو أول من نقٌط الحروف في القرآن الكريم ، لكن أبو الأسود الدؤلي فهو من شكُل الحروف .
وضرب المحاضر مثلاً على ازدهار الخط العربي أيُام الدولة الإسلامية في الأندلس والقيروان، بازدهار حركة الترجمة ، حيث كان يوجد نحو 6000 خطُاط وناسخ زمن عبدالرحمن الناصر . أما في بلاد فارس فإنهم طوٌروا الخط العربي ، لكنهم لم يبتدعوه.
الإمارات والخط العربي
قال الفنان خالد الجلاف إن كثيراً من الناس لا يعرفون فضل الدولة ، ودورها في ازدهار فن الخط العربي ، فهل عرفت الإمارات الخط العربي أم لا؟؟.
أجاب ...نعم ، فقد وجدنا دلائل من الأجداد والآباء على وجود وازدهار الخط العربي ، رغم انتشار الأمية منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. إذ كان هناك ثلاث جهات تتولى الكتابة لمن لايجيدها من السكان ، إضافة إلى تعليمهم قراءة القرآن الكريم، أولاها الكاتب أو " الكراني" ، ثم " المطاوعة" ، وثالثها " الكتاتيب" ، وقد اشتهر هؤلاء قبل وجود المدارس النظامية كالفلاح والأحمدية ، في بدايات القرن العشرين ، وقبل وصول البعثة التعليمية الكويتية التي كان لها فضل كبير على مسيرة التعليم ، وتطور الخط العربي بأشكاله المختلفة .
وأضاف ..لقد كان الشعراء والأدباء في منطقة الخليج ، وبخاصة في الإمارات يكتبون النصوص الشعرية بخط جميل من خلال " الكيتوب " . أو بخط أيديهم أمثال الشيخ محمد عبدالرحمن بن حافظ ، وحميد بن سلطان الشامسي ، والشاعر مبارك العقيلي .
واستعرض المحاضر أسماء عدد من الخطاطين ، الذين وفدوا إلى الإمارات ، وكان لهم فضل كبير في تعليم خطاطي الدولة وفنانيها أصول فن الخط العربي ، وأشكاله ، أمثال نزار الدوري وعلي ندا ومحمد الموسوي الذي كان معلماً في مدرسة جمال عبدالناصر . وأكد أن كل هؤلاء هم تلاميذ هاشم البغدادي ، أحد أكبر الخطاطين العرب .
وتطرق الجلاف إلى دور القطاعين العام والخاص في تطور وازدهار فن الخط العربي بدولة الإمارات ، مؤكداً أن لبعض المؤسسات فضل كبير في هذا المجال منها: هيئة الثقافة في الشارقة ، وندوة الثقافة والعلوم في دبي ، حيث دعا رئيسها " آنذاك" ، الكاتب والأديب محمد المر إلى إصدار مجلة ، هي الأولى في الوطن العربي ، تعنى بالخط العربي ، مجلة " حروف عربية" ، التي لاتزال تصدر ، دورياً ، ربع سنوية . إضافة إلى رعاية تنظيم مسابقة العويس للخط العربي.
وأتى المحاضر على دور المجمع الثقافي في أبوظبي ، في رعاية وتطور فن الخط العربي من خلال الورش التي يقيمها باستمرار ، حيث تم تنظيم أول معرض للخط العربي في أبوظبي ، ضم اللوحات الفائزة في مسابقة حامد الحامدي .
أما هيئة الثقافة والفنون في دبي ، فقد نظمت معرض دبي الدولي لفن الخط العربي ، بحضور ورعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ، رئيس مجلس الوزراء ، حاكم دبي ، رعاه الله.
وأشار المحاضر إلى اهتمام وزارة الثقافة وتنمية المجتمع ، بتطوير فن الخط العربي ، ومساعدة الخطاطين والفنانين ، من خلال مسابقة " البردة " ، التي تقام في شهر رمضان المبارك ، بمشاركة نحو ثلاثين خطاطاً ، يعملون على كتابة المصحف الشريف بأشكال مختلفة لفن الخط العربي.

الشارقة والخط العربي
أشاد خالد الجلاف بدور وفضل حكومة الشارقة ، ومؤسساتها في تطور وازدهار فن الخط العربي ، بتوجيهات سامية من صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي ، عضو المجلس الأعلى ، حاكم الشارقة ، والأب الروحي للحركة الثقافية والأدبية ، في الإمارة بخاصة ، والدولة بصورة عامة ، حيث خصص سموه نسبة من ميزانية الشارقة لدعم وتطوير الحراك الثقافي . كما أن سموه يحرص على حضور كل الفعاليات والأنشطة الثقافية والأدبية في الإمارة ، بما فيها تلك المتعلقة بفنون الخط العربي .
وأشار المحاضر إلى برامج هيئة الثقافة في الشارقة التي تعنى بالخط العربي ، والتي تمخض عنها معهد تعليم الخط العربي ، وله فروع في جميع مدن الإمارة ، بينالي الشارقة للخط العربي . كما أن الشارقة خصصت مركزاً لتعليم فن الخط العربي . وهناك مشروع " كتاتيب " ، تعمل الهيئة على إنجازه ، ولعل متحف الشارقة هو الوحيد الذي يهتم بالخط العربي .
وذكر دور جمعية الإمارات لفن الخط العربي والزخرفة ، التي تأسست قبل نحو أربع سنوات ، بموجب مرسوم من صاحب السمو حاكم الشارقة ، الذي وجه المسؤولين بإشهارها قبل اكتمال أوراقها الثبوتية .
مشاريع ومعاناة
كشف الجلاف النقاب عن تنظيم معرض لفن الخط العربي في الشارقة ، في شهر ابريل المقبل ، بعنوان " جوهر زايد الإنسان " ، يشارك فيه نخبة من الخطاطين والفنانين الإماراتيين والعرب . وبالإضافة إلى جائزة البردة ، هناك " جائزة ستة آلاف دولار ادعم الفنان الإماراتي ". وقال : إن هناك في دبي من المعارض والغاليريات ، ما يفوق أمثالها في الوطن العربي . وضرب مثلاً في دمشق ، أقيم معرض واحد ، وفي مصر معرضان ، أماٌ في الإمارات ، فقد تم تنظيم 14 معرضاً ، ثمانية منها في الشارقة ، وستة في دبي . وقال : إذا كانت اسطنبول أصبحت اليوم سوقاً رائجاً لفن الخط العربي ، فما ذلك إلاٌ بفضل دولة الإمارات ، وفنانيها.
وعن المعاناة والعقبات التي تحول دون تحقيق المزيد من التطور والازدهار لفن الخط العربي ، أكد الجلاف ، أن ذلك يعود إلى إهمال المدارس في تعليم الخط العربي ، وإذا كانت خطوط طلابنا اليوم سيئة ، فإنما بسبب أن المادة لم تعد تدرس في المدارس . وأضاف ..من أسباب المعاناة وجود ازدواجية في المعارض والأنشطة المتعلقة بهذا الأمر ، لكن مؤخراً ، برز نوع من التنسيق ، تقوده جمعية الإمارات لفن الخط العربي ونأمل أن يكتمل هذا الدور، ليؤتي أكله.
وقال : في كل العالم نجد أن فن الخط ، فن ذكوري ، أما في الإمارات فإنه فن أنثوي ، ولعل ذلك يعود إلى انصراف الذكور عنه. بعد أن أصبحت الساحة تعاني من ترهل ونوع من الفوضى ، علماً أن شهادة فن الخط في اسطنبول لاتمنح إلاُ بعد مرور 8 سنوات من الدراسة .

واختتم الجلاف ، بعدد من العوامل ، ينبغي توفرها ، لإعادة فن الخط العربي إلى سكته في الدولة ، منها:
- أن يعود الخط العربي إلى المناهج الدراسية.
- أن يعامل ، إعلامياً ، كفن قومي ، وأن تقوم وسائل الإعلام بدورها تجاهه على هذا الأساس .
- إضافة مادة " فن الخط العربي " إلى المعاهد والكليات في الجامعات ، كمقرر دراسي.
- إنشاء مراكز لتعليم فن الخط العربي في كل إمارات الدولة ، أسوة بإمارة الشارقة.
- إنشاء متحف وطني لفن الخط العربي ، كما اليابان والصين .
- إقامة مسابقات تشجيعية للخطاطين والفنانين الإماراتيين ، وقد بدأنا الخطوة الأولى من خلال معرض " زايد الإنسان".
- تخصيص كرسي أو منحة لتعليم الطلبة الراغبين في تعلم فن الخط العربي.
فضاء الأنترنت
وفي نهاية الجلسة ، تحدث المستشار جمال بن حويرب قائلاً: أرى أن فن الخط العربي ينبغي أن يخرج إلى العامة ، وأن ينتشر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ، ومجالس الأنترنت ، وأن نشارك في المعارض الدولية ، وإلاٌ فإن هذا الفن سيظل يراوح مكانه.
وأضاف.. كما ينبغي مشاركة القطاع الخاص في نشر وتطوير هذه القضية الوطنية ، كأن تفتح المجالس والمراكز ، من قبل مؤسسات القطاع الخاص ، مسهمة منها في ازدهار ورقي فن الخط العربي.
مقالات ذات صلة

احياء ذكرى محمد صالح القرق في مركز جمال بن حويرب للدراسات
مركز جمال بن حويرب للدراسات - دبي نظم مركز جمال بن حويرب للدراسات مساء يوم الثلاثاء 18 مارس الجاري أمسية ثقافية بعنوان (في ذكرى الأديب محمد صالح القرق) شارك فيها كل من: سعادة جمال بن حويرب المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن…

إطلاق كتاب الطب الصيني التقليدي في مركز جمال بن حويرب للدراسات
مركز جمال بن حويرب للدراسات - دبي في أمسية رمضانية زاخرة بالمعلومات الطبية والعلمية، نظم مركز جمال بن حويرب للدراسات مساء يوم الثلاثاء 11 مارس 2025 أمسية رمضانية لإطلاق كتاب (الطب الصيني التقليدي ـ دليل مصور لطب…

المطروشي: ينبغي الحفاظ على الموروث الشعبي قبل أن يندثر
مركز جمال بن حويرب للدراسات - دبي طالب المستشار التراثي في دائرة الثقافة والإعلام بعجمان علي محمد المطروشي بالحفاظ على الموروث الشعبي بصورة عامة واللهجة الإماراتية بخاصة قبل أن تندثر بفعل التغيرات الكبيرة والمتسارعة…

محاضرة أطلت على ماضي الدولة في مركز بن حويرب للدراسات
مركز بن حويرب للدراسات - دبي أكد المستشار والمؤرخ جمال بن حويرب المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، ورئيس مركز جمال بن حويرب للدراسات أن الإمارات العربية المتحدة أصبحت بفضل قيادتها الرشيدة دولة مهمة…
