
بقلم: جمال بن حويرب
لعلّ بعضَ الأُسر التي تنعمُ اليوم بالأموال الكثيرة والعقارات المتنوّعة والتجارات الكبيرة والشركات التي يبرقُ اسمها كضوء البرق في الليلة الظّلماء، لا يعلمُ أبناؤهم كيف عاش أجدادهم وجداتهم في ظلِّ المعيشة الصعبة وشظف الحياة حتى بلغ منهم الجهد مبلغه.
ومنهم من قضى نحبه وهو يعاني أهوال الكسب الشاق في عرض البحر أو في عمق الصحراء، ومنهم من مدّ الله في عُمُره حتى يروي لنا قصصه الغريبة التي لا تصلح إلا أن تُسجّل في كتاب «ألف ليلة وليلة»، ولا ألوم هذه الأجيال الجديدة إن لم تعرف هذا؛ فالتاريخُ قديمٌ بالنسبة إليهم، فهم وُلِدوا في النعمة وغُذّوا بالراحة وأحاطت بهم الرفاهية والبُلَهْنية، وأسأل الله أن يبارك لهم فيما رزقهم وأن يزيدهم من الحلال ويبعدهم عن الحرام.
وقد ذكرتُ في مقالٍ سابقٍ المثلَ المشهورَ لدى أهلنا الماضين، وأصبح اليوم تراثاً يُسجَّل في كتب الأمثال أو يتندّر به على سبيل الطرفة وهو قولهم: «احمل القذر على الراس ولا حاجةٍ إلى الناس»، وهذا المثل لم يره الأولون عبثاً بل كان لحثّ أنفسهم وأولادهم على الكسب الحلال ولاستهجانهم ونفورهم من ذلّ السؤال، ففارقوا الأرض والأهل بالأشهر وبالسنين في بعض الأحيان ليدركوا الكسب الحلال، ولم يبالوا بألم الغربة ولا مشاق الأسفار؛ إذ كانوا يلبّون رغبةً ملحةً في كفاف أنفسهم وسقي شجرة عزّتهم من أعمالهم، وإن كانت لا تناسب مقام عائلاتهم وأسماء أجدادهم؛ لأنّ العمل لديهم مقدّس ولا مكان للعب أو التسلية حتى يدركوا ما يريدون ولو بلغوا «خليج بنغاله» كما يقولون في تلك الأيام. فالمرأة شاركت الرجل في أعمال كثيرة مع اعتنائها ببيتها وأولادها، وقامت بجلب المياه وقطع الأخشاب وتوفير الطعام، وقد عملت المرأة أيضاً في بيع العطور كالعنبر وعمل البخور «الدخون»، وعملت بالخياطة، وعملت أيضاً فيما نسميه بقرض براقع النساء، وقد قامت بمساعدة زوجها في الإنفاق على البيت وتربية الأبناء، ورأيت بعض العجائز اللاتي لم يتركن مهنة «قرض البراقع» حتى وهنت قواهنّ وكنَّ محلَّ تقدير الناس إلى يوم وفاتهنّ. وأذكر أيضاً امرأةً كبيرةً في السن أصيلة وكريمة ومن أسرة عريقة، كانت تبيع السمك في السوق بل كانت تهيمن عليه، وقد بَنَت هذه المرأةُ الصَّابرةُ بيتَها وربَّت أبناءها من كسبها الحلال.
أعلام وأخبار إن كان التاريخ القديم والحديث للبلاد العربية قد زوّدنا بأخبار ما لا يحصى من أعلام الرجال؛ فإنه تجاهل للأسف الحديث عن أعلام النساء اللواتي كان لهنَّ دورٌ بارزٌ وعملٌ قياديٌّ في المجتمع، ولم أعرفْ لهذا التجاهل من تفسير سوى تعمّد غمط حق المرأة في الظهور لمصلحة الرجال، وخاصة في القرون الأخيرة التي كان كثيرٌ منها قرون تخلُّف وهوان. والمرأة فيما قبل ذلك كانت تشارك في العلم والشورى والتجارة وبلغت حتى السياسة، وهذه أم المؤمنين أم سلمة هند بنت سهيل- رضي الله عنها- يستشيرها رسول الله في وقت صلح الحديبية، وذلك أنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- لما صالح أهل مكة وكتب كتاب الصلح بينه وبينهم وفرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثمَّ احلقوا للتحلُّل من إحرام العمرة؛ فلم يقم منهم رجل، وصعب الأمر عليهم بعد أن قال ذلك ثلاث مرات، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له أم سلمة: يا نبيَّ الله أتحبُّ ذلك، اخرج ثمَّ لا تكلِّم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فقام- عليه الصلاة والسلام- فخرج فلم يكلّم أحداً منهم كلمة، فنحر بدنته ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، ولم يقل رسول الله كما يشيع بعض من لا علم له المثل المشهور: شاوروهن واعصوهن؛ أي استشيروا النساء فما أشرن به فافعلوا عكسه لأنه الصواب، وهذا من الافتراء والتعدي بغير وجه حق. وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها كان يسألها كبار الصحابة في أحكام الشريعة وتُسْتَفْتَى وتَفْتِي وتُشَاوَر وتُشِير عليهم بما فتح الله عليها. وفي التاريخ الحديث، هناك نساء لا يستطيع التاريخ أن يتجاهل وجودهن؛ لأنهنَّ أثبتن أنفسهنَّ بالعقل الراجح والهمّة العالية والحكمة التي تفوق كثيراً من حكمة الرجال، ومنهن السيدة موزة بنت الإمام أحمد، مؤسِّس الدولة البوسعيدية في عمان، والتي كان له دورٌ في إرساء دعائم الحكم والدفاع عن عمان ومساعدة الناس، ولها أفضال كثيرة حتى قيل إنَّ اسم موزة انتشر بسببها تيمناً بها، وقد كانت تعيش في سنة 1810 وأخبارها مدوّنة في التاريخ العماني.
مقالات ذات صلة

رحلات الأوروبیین الأولى إلى مكَّة المكرَّمة
الكاتب: جمال بن حويرب رحلاتُ المسلمين إلى الدِّیار المقدَّسَةِ، عَبْرَ القرونِ الماضيةِ كثیرةٌ من كلِّ أصقاع الدنيا، ومن كلِّ فجٍّ عميق. وقد دوَّن كثیرٌ من العلماء والأدباء رحلاتِهم إلى مكَّةَ المكرَّمةِ وطیبةَ…

كسوة الكعبة.. احتفاء الخلفاء وعنوان الولاء
الكاتب: جمال بن حويرب سألني أحد الإخوة عن كسوة الكعبة المشرفة وتاريخها؛ إذ كان يظنُّ أنها لم تكن تكسى إلا في القرون المتأخرة فقلت له: الكسوة تاريخها قديم قد يعود إلى بداية وجودها في الأرض، ولكن لم يكن التدوين موجوداً…

السويدي يوثق رحلة ابن عتيبة إلى مكة
الكاتب : محمد أحمد السويدي - كاتب إماراتي حدثنا العم سعيد بن أحمد خلف العتيبة، عن رحلة والده إلى الحج عام 1359 للهجرة. وإذا قلبنا أوراق التاريخ الحديث، فسنجد أنَّ في ذلك العام أعيد انتخاب الرئيس الأميركي "روزفلت" للمرّة…

ملامح من فكر زايد
الكاتب : بلال البدور - كاتب إماراتي عندما تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة هذا العام بمئوية زايد، تحت مسمى «عام زايد»، فإنَّ هذا الاحتفال يمثِّل مبادرة تعدُّ جزءاً من ردِّ الجميل لهذه القامة العملاقة، وذلك الرائد…
